علي بن أحمد المهائمي

267

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

كَيْداً [ يوسف : 5 ] ، ثمّ برّأ أبناءه عن ذلك الكيد وألحقه بالشّيطان ، وليس إلّا عين الكيد فقال : كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ [ يوسف : 5 ] أي : ظاهر العداوة ] . ثم أشار إلى أن هذا التمثل قد يكون من جهة المرئي كما مر من قصة جبريل عليه السّلام وقد يكون من جهة الرائي مثل رؤيا يوسف عليه السّلام ؛ فقال : ( وقال يوسف عليه السّلام : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [ يوسف : 4 ] ) فرأى إخوته ) الذين هم أولاد سماء النبوة ( في صور الكواكب ورأى أباه وخالته في صورة الشمس والقمر ) . لكون أنه نبيّ ووالد لجملة من الأنبياء عليهم السّلام ، فهو منبع النور التام كالشمس وخالته مستفيدة للنور منه استفادة القمر من الشمس ، ( هذا ) التمثل للمذكورين ( من جهة ) تصرف نفس ( يوسف عليه السّلام ) في خزانة خيالية لا من جهة قصد المرئي ، كما مر في تمثل جبريل عليه السّلام والدليل عليه أنه ( لو كان ) التمثل هاهنا ( من جهة المرئي ) أخوة يوسف عليه السّلام وأبيه وخالته ، ( لكان ظهور أخوته في صور الكواكب ، وظهور أبيه وخالته في صورة الشمس والقمر مرادا لهم ) ضرورة أن ذواتهم لا توجب هذا التصور ، فلو أرادوا ذلك الظهور في هذه الصور الجليلة لم يريدوا مع ذلك أن يسجدوا ليوسف عليه السّلام مع أنه نقيض مطلوبهم بالكلية على أنهم لو أرادوا ذلك لعلموا ولو علموا لذكروه ، إذ لا يمكن في العادة نسيان مثل هذا الأمر الجليل بسرعة فلم يكن لنهي يعقوب عليه السّلام عن قصّ الرؤيا عليهم معنى . ( فلما لم يكن لهم علم بما رآه يوسف عليه السّلام كان الإدراك ) لهؤلاء في هذه الصور الجليلة مع تذللهم له ، وتصرف نفس ( يوسف عليه السّلام في خزانة خيالة ) رآهم مع هذه العظمة ساجدين له ، فلذلك قال : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ بتكرير رأيت كأنها رؤية أخرى بالكلفة ، ( وعلم ذلك يعقوب عليه السّلام حين قصها عليه ) من حيث إن الظهور بهذه الصور الجليلة مع السجود ليوسف عليه السّلام ليس مقصودا لهم البتة بل مقصود ليوسف عليه السّلام ( فقال : يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [ يوسف : 5 ] ) عظيما لما فيها من تذللهم لك حال كمالهم ، ( ثم برأ أبناءه عن ذلك الكيد ) ، بأنه ليس مقتضى كونهم أبنائي ( فألحقه بالشيطان ) من حيث غلبته عليهم عن غلبة الهوى الذي هو مراعاة عليهم . ( وليس ) هذا الإلحاق بالشيطان وإن كان من قبيل إسناد الفعل إلى السبب بعد إسناده إلى الفاعل ( إلا عين الكيد ) بيوسف عليه السّلام حيث أوقع في اعتقاده من ظاهر عبارته أنه من الشيطان لا غير ، لئلا يحقد يوسف عليه السّلام عليهم ، ومثل هذا الكيد للمصلحة بلا تضمن مفسدة مع رعاية الصدق بالتجوز في الإسناد لا يمتنع من الأنبياء ، كما كاد يوسف عليه السّلام